عبد القادر الجيلاني
136
فتوح الغيب
تعالى ، وأعطيت رضاك عن اللّه عزّ وجلّ ، ووعدت برضوانه عزّ وجلّ عنك ، ولذذت ونعمت بأفعال اللّه عزّ وجلّ أجمع ، فحينئذ توعد بوعد ، فإذا اطمأننت إليه ، ( ووجدت فيه أمارة إرادة ما ، نقلت عن ذلك الوعد إلى ما هو أولى منه ) ، وصرفت إلى أشرف منه ، وعوّضت عن الأوّل بالغنى عنه ، وفتحت لك أبواب المعارف والعلوم ، وأطلعت على غوامض الأمور وحقائق الحكمة والمصالح المدفونة في الانتقال من الأوّل إلى ما يليه ، ويزاد حينئذ في مكانتك في حفظ الحال ثمّ المقال ، وفي أمانتك في حفظ الأسرار وشرح الصّدور وتنوير القلب وفصاحة اللّسان والحكمة البالغة في إلقاء المحبّة عليك ، فجعلت محبوب الخليقة أجمع الثّقلين وما سواهما دنيا وأخرى ، إذ « 1 » صرت محبوب الحقّ عزّ وجلّ ، والخلق تابع للحقّ جلّ وعلا ، ومحبّتهم مندرجة في محبّته ، كما أنّ بغضهم يندرج في بغضه عزّ وجلّ . فإذا بلغت هذا المقام الّذي ليس لك فيه إرادة شيء ألبتّة جعلت لك إرادة شيء من الأشياء ، فإذا تحقّقت إرادتك لذلك الشّيء أزيل الشّيء وأعدم وصرفت عنه ، فلم تعطه في الدّنيا ، وعوّضت عنه في الأخرى بما يزيدك قربة وزلفى إلى العليّ الأعلى ، وما تقرّ به عيناك في الفردوس الأعلى وجنّة المأوى ، وإن كنت لم « 2 » تطلب ذلك وتأمله وترجوه وأنت في دار الدّنيا الّتي هي دار الفناء والتّكاليف والعناء ، بل رجاؤك - وأنت فيها - وجه الّذي خلق وبرأ ومنع وأعطى ، وبسط الأرض ورفع السّماء إذ ذاك هو المراد والمطلوب والمنى ، وربّما عوّضت عن ذلك بما هو أدنى منه أو مثله في الدّنيا بعد انكسار قلبك وبصرك ، حينئذ يصدّك عن ذلك المطلوب والمراد ، وتحقيق العوض في الأخرى على ما ذكرنا وبيّنّا . واللّه سبحانه أعلم . * * *
--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( إذا ) . ( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( لك ) .